مخاوف من تحويل لبنان إلى ساحة اشتباك أميركي – إسرائيلي – إيراني

ما الرسائل من جولة «حزب الله» الإعلامية عند الحدود على إيقاع الاستراتيجية الأميركية الجديدة؟

رلى موفق
مقالات
98
0

المطلوب من رئيس الجمهورية  استدعاء الحزب ومساءلته لعدم كشف لبنان بالكامل كدليل على القدرة على المساءلة  في ظل العجز عن الردع

أي رسائل أراد «حزب الله» أن يرسلها من خلال الجولة التي نظمها لوسائل إعلام محلية وعربية ودولية على الحدود اللبنانية مع إسرائيل. تولت العلاقات الإعلامية في الحزب أمس الأول الاتصال بالإعلاميين لدعوتهم إلى الجولة التي وفرت لها المتطلبات اللوجستية. وتولى قائد ميداني في «المقاومة الإسلامية» بلباس عسكري وخلال نقل مباشر لـ «تلفزيون المنار» شرْح ما وصفه بالاجراءات الدفاعية والوقائية، التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي من رفع سواتر ترابية واسمنتية وتركيب كاميرات حديثة للمراقبة عالية الدقة، والتي تؤكد برأيه انتقال إسرائيل إلى العقيدة الدفاعية وتخوفها من امكانات اختراق المقاومة للحدود من الجهة اللبنانية.
جاء تنظيم الجولة على وقع إعلان وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس من الرياض أنه «علينا منع إيران من زعزعة استقرار اليمن ومن إنشاء ميليشيا جديدة فيه على غرار «حزب الله» في لبنان، في إشارة إلى الحوثيين الذين يشكلون الذراع العسكرية لإيران في اليمن جارة المملكة العربية السعودية، والذين تم تأهيلهم كحركة «أنصار الله» للتعامل مع المملكة كـ «عدو» في تماه لتعامل «حزب الله» مع إسرائيل.
لا بل إن يوم أمس الأول حمل معه مزيداً من الاخبار السيئة لطهران مع إعلان البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمر بمراجعة الاتفاق النووي للنظر في ما إذا كان رفع العقوبات عن إيران يصب في المصلحة العليا للأمن القومي الأميركي، ولينتهي «الأربعاء المشؤوم» على وقع مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الأميركية ريكس تيليرسون قرأ فيه بياناً مكتوباً لخمس دقائق متواصلة، مفنداً كيف أن إيران، التي تتم مراجعة سياستها الشاملة، تُصدّر الإرهاب والعنف وتزعزع أكثر من بلد في وقت واحد، محملاً إياها المسؤولية عن تكثيف الصراعات المتعددة وتقويض المصالح الأميركية في سوريا واليمن والعراق ولبنان، ومواصلة دعم الهجمات ضد إسرائيل، والأهم اعتباره الطموحات النووية الإيرانية خطراً على العالم وأمنه، وأن إيران غير المنضبطة قد تتحوّل إلى سلوك مسار كوريا الشمالية نفسه، إذا لم يتم ردعها.
والجديد اللافت هو كلام «حزب الله» عن انتقال إسرائيل من استراتيجية هجومية إلى استراتيجية دفاعية، في رسالة أراد فيها أن يقول أنه لا يزال حاضراً بقوة في منطقة جنوب الليطاني المشمولة بالقرار 1701، التي يفترض حسب مندرجات الفقرة التنفيذية الـ11 أن تكون منطقة خالية من الأشخاص المسلحين، والعتاد والأسلحة عدا تلك العائدة إلى حكومة لبنان و«اليونيفيل»، وأنه يمتلك القدرة ليس فقط على ضرب عرض حائط الترتيبات الأمنية التي فرضت إنشاء منطقة بين نهر الليطاني والخط الأزرق يمنع عليه التواجد فيها، بل على اختراق الحدود مع إسرائيل. وهي رسالة تأتي بُعيد التبيان الملموس لمعالم الاستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة، التي تصيب في الصميم إيران ومشروعها التوسعي وطموحاتها النووية، كما أذرعها في المنطقة، وفي مقدمها «حزب الله» الذي يواجه وبيئته الحاضنة مزيداً من العقوبات الأميركية التي ستدفع بالمصارف اللبنانية إلى تشدد أكبر في تعاملاتها المالية مع كل من يدور في فلكه خوفاً من دفعها أثماناً باهظة، ولاسيما أن مثال البنك اللبناني – الكندي لا يزال حياً في أذهان المصارف الواقعة بين مطرقة العقوبات وسندان تهويل الحزب للقطاع المصرفي والمالي عموماً.
وبين توصيف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للجولة بالخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه الحزب وبين اعتبارها من قبل «المستقبل» محاولة لحجب الحزب الأنظار عن ارتفاع منسوب فرض العقوبات التي يورط بها بيئته الحاضنة، تبرز أكثر المخاوف من أن يحوّل «حزب الله» لبنان إلى ساحة اشتباك أميركي – إسرائيلي – إيراني على غرار ما فعل في حرب تموز 2006، فنكون أمام حرب جديدة لا قدرة للبنان على تحمل تبعاتها، ولاسيما في ظل العجز الفاضح لمختلف القوى السياسية ومعها العهد والحكومة على الوقوف في وجه الحزب وإمساكه بالقرار اللبناني، ولاسيما على المستوى الاستراتيجي.
وإزاء عجز الحكومة عن عقد جلسة طارئة وفورية للرد على خطوة الحزب، يرى سياسيون مطلعون أن المطلوب من رئيس الجمهورية استدعاء «حزب الله» ومساءلته كإجراء ضروري لعدم كشف لبنان بالكامل، وإظهار أن لدى مسؤوليه، على الأقل، القدرة على المساءلة، إذا لم تكن لديهم القدرة على ردعه.
وليس لدى هؤلاء أي قناعة بأن الجولة هدفها توجيه رسالة إلى الداخل اللبناني، ذلك أن الحزب على يقين تام انه نجح في تطويع الجميع الذين أضحوا رهينة أجندته الإقليمية وأجندة راعيه الإيراني، حتى إشعار آخر، يتمثل في تبدل المعادلات الإقليمية التي قد تتيح للقوى التي كانت يوماً من الأيام القلب النابض لفريق الرابع عشر من آذار، إعادة الاعتبار إلى مضامين «انتفاضة الاستقلال» وضريبة الدم التي دفعتها من خلال اغتيال العديد من رموزها.
وما يجعل الوضع مقلقاً ان لبنان يمر في لحظة تجاذب داخلي نتيجة الحسابات الانتخابية التي تتمظهر انقساماً حاداً طائفياً وسياسياً في آن، حول قانون انتخاب لا تلوح في الأفق ملامح التوافق الحقيقي حوله، بما يضع الجميع أمام واقع التمديد، وإن لبس لبوساً تقنياً، مع ارتفاع منسوب الحديث عن امكانات العودة إلى قانون الستين لإجراء الانتخابات على أساسه، في ظل نصائح دولية لإتمام الاستحقاق الانتخابي بمعزل عن طبيعة القانون، ما قد يرفع من حدة الاحتقان الداخلي وإمكان تبدّل موازين القوى الداخلية لغير مصلحة الحزب، الأمر الذي يجعل ذهابه إلى خيارات أحادية مفتوحاً، وربماً مخرجاً له، مع استعار المواجهة في المنطقة على ايقاع الاستراتيجية الأميركية الجديدة!