الخميس,31 تموز 2014 الموافق 4 شوال 1435هـ
العدد 14122 السنة 51
  اسم العضو
  كلمة المرور
هل نسيت كلمة المرور؟
تذكر المستخدم
عباس لـ «اللواء»: نعمل جدّياً على دخول أسواق أفريقيا ودول الميركوسور الفرح بالطاعة وصلة الأرحام والتهنئة أبرز العناوين ... وطوبى للربانيين «داعش» يحشد لاقتحام الحسكة والمعارضة تتقدّم إلى مطار حماه العسكري الأمير سلمان يتفقَّد جنود الحرس الحدودي «حلم.. عاصي» يحيي مهرجانات بعلبك وفد إسرائيلي في القاهرة .. وآخر فلسطيني للتفاوض حول آليات التهدئة مجازر إسرائيلية مروعة بعد فشل جنود الإحتلال في تحقيق مكاسب ميدانية رانيا فريد شوقي تحتفل بميلاد والدها مع «غوغل» «الدولة الإسلامية» تطارد فلول الفرقة 17 في الرقة وتحشد لاقتحام الحسكة إسرائيل بإبادة الفلسطينيين
مختارات

أصول العائلات البيروتية -58-
آل العيتاني وفرعهما العائلي (بيهم - الحص)
السبت,28 كانون الأول 2013 الموافق 25 صفر 1435 هـ

نسب شريف وأصالة أسرية ودور علمي وتربوي وسياسي وتجاري وإسهامات إنسانية ووطنية مميّزة
بقلم د. حسان حلاق

د. حسان حلاق مؤرّخ وأستاذ جامعي
تعتبر بيروت المحروسة من المدن العريقة في نشأتها وتاريخها وتراثها وعائلاتها، وهي من المدن التي قامت بدور بارز في التاريخ اللبناني والعربي والدولي. وقد تميّزت منذ نشأتها قبل الميلاد بوجود عناصر سامية من أصول عربية، كان في مقدمتها العنصر الفينيقي السامي العربي، وهو العنصر الذي هاجر من شبه الجزيرة العربية في الألف الثالث ق.م. حاملاً معه لغته وعاداته وتقاليده وأسماء مدنه مثل: بيروت وصيدا وصور وجبيل وأرواد وسواها. ولهذا فإن جذور النشأة البيروتية ما قبل المسيحية والإسلام كانت نشأة عربية.
ولما افتتح العرب المسلمون بلاد الشام ابتداء من سنة (13) للهجرة التقى العرب الجدد بالعرب القدامى المستقرين منذ آلاف السنين في بيروت ومختلف المناطق اللبنانية. لهذا فإن عروبة بيروت تعود إلى أكثر من خمسة آلاف سنة على الأقل، وليس إلى ألف وأربعمائة سنة كما يدّعي البعض. من هنا ندرك تماماً العوامل الحقيقية التي تدفع بالبيروتي إلى التفاعل بشكل لافت للنظر مع القضايا العربية والقومية. ونحن لا ننكر أن بيروت تعرّضت عبر التاريخ لموجات من السيطرة الفرعونية والآشورية والبابلية واليونانية والرومانية والإفرنجية وسواها، غير أن جميع هذه الموجات لم تستطع أن تصهرها في بوتقتها بسبب تناقض التكوّن التاريخي والديموغرافي بين تلك الموجات وبين أبناء بيروت وبلاد الشام قاطبة. ونتيجة للفتح العربي لبلاد الشام ومن بينها بيروت، فقد آلت في نهاية المطاف مدينة عربية إسلامية شهدت في ما بعد العهود الأموية والعباسية والفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، ومن ثم السيطرة الفرنسية للبلاد بين أعوام (1918 1946م).
ومن هنا ندرك كم مر على بيروت والمنطقة من شعوب وأنظمة حكم، ومن هجرات سكانية من الخارج، ومن نزوح سكاني من الداخل إلى هذه المدينة العريقة، غير أن العرب والمسلمين استطاعوا وبشكل نهائي تعريب المدينة ومن ثم أسلمتها.
لهذا فإن تكوُّن المجتمع البيروتي يعتبر تكوُّناً عربياً بالدرجة الأولى، بل إن تكوُّنه يعتبر مميزاً بسبب قدرة بيروت والبيارتة على «بيرتة» غير البيروتيين، وصهرهم في ظل المجتمع البيروتي في حين أن الكثير من الحواضر والمدن الكبرى لم تستطع أن تهضم المهاجرين أو النازحين إليها، أو أن القادمين إليها استطاعوا هضمها وابتلاعها وتغريبها عن عاداتها وتقاليدها ولغتها.
ومن الأهمية بمكان القول، وانطلاقاً من التاريخ العربي المشترك، ومن التاريخ المشترك لبلاد الشام، فإن التأريخ للعائلات البيروتية، إنما هو في الوقت نفسه التأريخ للعائلات اللبنانية وللعائلات العربية في اليمن وسوريا ومصر وفلسطين والعراق وبلاد الحجاز والأردن والخليج العربي، والجزائر والمغرب وتونس وليبيا وسواها من البلاد العربية.
في حلقة اليوم من سلسلة «أصول العائلات البيروتية» يستكمل المؤرّخ د. حسان حلاق الإضاءة على عائلات بيروتية كان لها أثرها في بناء نهضة لبنان: آل عيتاني وفرعهما العائلي (بيهم - الحص).
نسب آل بيهم، الحص، العيتاني وجذورهم التاريخية:
تعتبر أسر بيهم والحص والعيتاني أسرة واحدة، ومن الأسر البيروتية العريقة، وهي من الأسر العربية المغاربية من النسب الشريف، حيث تعود بجذورها إلى آل البيت النبوي الشريف. وهي تعتبر منذ مجيئها إلى بيروت المحروسة في العصور الوسطى إلى اليوم، في مقدمة الأسر البيروتية البارزة التي قامت بدور بارز في الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والخيرية والعلمية والإنسانية وسواها، وأسهمت في الفتوحات العربية والإسلامية منذ انطلاقتها من شبه الجزيرة العربية، ومن ثم من بلاد المغرب.
إن الوثائق البيروتية واللبنانية والعربية والعثمانية، فضلاً عن الوثائق القنصلية الأوروبية، وفي مقدمتها الوثائق والتقارير الفرنسية والبريطانية، تؤكد بأن وجهاء وأعيان آل بيهم والحص والعيتاني كانوا من أقدم الأسر البيروتية واللبنانية وكانوا في مقدمة الأسر البيروتية التي تولت مختلف المناصب والمسؤوليات الكبرى، لا حباً في زيادة الجاه، بل تطلعاً لخدمة المجتمع البيروتي واللبناني والعثماني. وفي الوقت نفسه، فإن أفراد آل عيتاني كانوا باستمرار يواجهون بكل جرأة أخطاء الحكام والولاة العثمانيين والفرنسيين واللبنانيين، فقد جمع أفراد هذه الأسرة العريقة عدة صفات وخصائص منها:
1- النسب الأصيل والشريف.
2- الأخلاق الحميدة والثوابت والقيم والمثل العليا.
3- العمل الخيري والإنساني والاجتماعي.
4- تشجيع وتقدير العلم والعلماء.
5- الإيمان بالمؤسسات الرسمية والخاصة ودعمها.
6- رفض الطائفية والمذهبية والإيمان بالعيش المشترك.
7- الإيمان بالأعمال التجارية الحرة والشريفة.
8- الاندماج في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لخدمة أبناء المجتمع.
9- الإيمان بالأعمال التطوعية الخيرية.
10- التواضع اللافت بالرغم من أن أفراد الأسرة كانوا من أغنى الأفراد في الدولة العثمانية، وبالرغم من توليهم أعلى المناصب.
11- بالرغم من أن الأسرة كانت من الطبقات الأرستقراطية، وبالرغم من أن أفرادها كانوا «أفندية» و»عمدة التجار» و»بكوات» و»أصحاب السعادة» و»أصحاب المعالي» و»أصحاب الدولة» وهم «السادات بيهم»، غير أنهم كانوا أقرب الناس إلى الناس، وكانوا أكثر الناس حباً وعطفاً على الناس، وكانوا أكرم الناس، وأكثرهم حباً للعلم وللعلماء، وأكثرهم تشجيعاً على الإقبال على العلم، وأكثرهم تحسساً بواقع المعوزين والمحتاجين. لهذا، فقد اعتبروا العائلة الأولى ليس في بيروت فحسب، وإنما في لبنان، بل هم من العائلات الأولى في العالم العربي.
وبكلمة موجزة، فإن أعمال وإنجازات وإسهامات آل بيهم – الحص - العيتاني منذ مئات السنين إلى القرن الحادي والعشرين تدل عليهم، فأينما توجه البيروتي واللبناني في شوارع ومناطق بيروت، فإنه يرى إنجازاً أو إسهاماً أو معلماً دينياً أو تربوياً أو إنشائياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو سياسياً لأحد أفراد الأسرة. لهذا، فإن ما من منطقة إِلا وفيها شارع باسم أفراد من «آل بيهم» أو الحص أو العيتاني، حتى إن شارع السادات هو نسبة «للسادات بيهم»، فضلاً عن شارع عبد الله بيهم، وشارع محمد علي بيهم، وشارع أحمد مختار بيهم، وشارع حسين بيهم، وشارع عمر بيهم، وشارع أمين بيهم وكلهم من الدوحة العيتانية. وبالمناسبة فإني أعترف كمؤرخ وباحث في تاريخ بيروت المحروسة، بأن أسرة آل عيتاني الكريمة لا تحتاج فحسب إلى كتاب يؤرخ لتاريخها وإسهاماتها، بل إنها تحتاج إلى مجلدات تاريخية لكثرة تلك الإسهامات والإنجازات. بل إن بعض أعيانها ووجهائها يحتاج كل واحد منهم إلى مجلد تاريخي.
رجالات آل بيهم العيتاني في التاريخ:
آل بيهم من الأسر الإسلامية البيروتية العريقة، تعود بجذورها وأصولها إلى قبائل شبه الجزيرة العربية لا سيما قبيلة بني العيتاني (العيثاني) وهي من القبائل المنسوبة لآل البيت النبوي الشريف لا سيما إلى الإمام الحسن (رضي الله عنه). (جامع الدرر البهية، ص 62). ولا تزال قبيلة وأفخاذ بني العيتاني منتشرة في الخليج العربي والمغرب العربي.
ومن المعروف أن قبيلة بني العيتاني، أسهمت في فتوحات مصر وبلاد الشام والعراق والمغرب العربي والأندلس، لهذا فإن فروع آل العيتاني ما تزال منتشرة في تلك البلاد. ونظراً للأخطار التي واجهت بلاد الشام في العصور الوسطى لا سيما من قبل الحملات الصليبية، توجه الكثير من المغاربة، ومن بينهم قبائل العيتاني وفروعها للإسهام في الدفاع والرباط عن بلاد الشام وفي مقدمتها بيروت المحروسة، وقد أشار الرحالة ابن جبير في رحلته عن دور المغاربة في بلاد الشام في تلك المرحلة التاريخية، وقد اعتبر المغاربة – كسواهم – من أن المشاركة في الرباط هو واجب شرعي.
ولا بد من الإشارة، إلى أن نهاية العهد المملوكي وبداية العهد العثماني شهد المزيد من نزوح العائلات المغربية من بلاد المغرب إلى مصر وبلاد الشام لا سيما بعد سقوط الأندلس عام 1492م بيد الإسبان. والحقيقة، فإن المصادر التاريخية المعاصرة للعهد العثماني ووثائق سجلات المحكمة الشرعية في بيروت أشارت إلى أن أسرة بيهم هي فرع من أسرة العيتاني، وهكذا أسرة الحص والعديد من الأسر البيروتية الأخرى.
ولقد برزت عائلة بيهم والحص والعيتاني في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ قرون عديدة، فإن أمير الماء أو الأميرال إبراهيم العيتاني – قبودان باشا – قد ولاه السلطان سليمان القانوني في القرن السادس عشر قيادة قسم من الأسطول العثماني. ثم أصبح إبراهيم باشا أشهر الذين تولوا الصدارة العظمى في السلطنة العثمانية وذلك في 13 شعبان عام 929هـ-1523م. وقد تولى الحصار الأولى لمدينة فيينا في مطلع عام 936هـ-1529م، غير أنه أعدم في رمضان عام 948هـ-1542م. هذا بالإضافة إلى أن مكانة الحاج نجيب بيهم العيتاني دعت البابا «لاون» لأن يستقبله ويجتمع به في اجتماع خاص.
والحقيقة أن أسرة بيهم هي فرع من آل العيتاني إحدى أهم الأسر البيروتية، وتشير إحدى وثائق محمد جميل بيهم إلى أن الواقف إبراهيم بن خليل العيتاني كان من أعيان مدينة بيروت في القرن الثامن عشر.
مآثر خلّفت
«انفصالاً عائلياً»
ويذكر المهتمون في تاريخ الأنساب أن أسرة العيتاني من الأسر التي نزحت من المغرب إلى بيروت في أعقاب جلاء الأسر الإسلامية عن الأندلس. وقد انفصلت أسرة بيهم عن أسرة العيتاني في أواخر القرن التاسع عشر، وبالذات في عهد حسين بيهم العيتاني بن ناصر بن محي الدين العيتاني. ولهذا الانفصال قصة اجتماعية مرتبطة بمآثر العائلة، وهي أن حسين المذكوركان كريماً مضيافاً يحسن إلى الفقراء والمعوزين ويوزع أمولاً عليهم. ومن أجل ذلك لقبه الناس وقتذاك بلقب «أبي الفقراء»، وأصبح الناس يشيرون إلى هؤلاء الفقراء والمعوزين على أن حسين بك هو «بيهم» أي والدهم. ومنذ ذلك التاريخ بدأ هذا الفرع من العائلة يأخذ اللقب الجديد «بيهم» منفصلاً بالتدريج عن اسم العائلة الأم «العيتاني».
هذا وقد أنجب حسين بيهم العيتاني ستة أبناء هم السادات: ناصر، محمد، يوسف، عمر، مصطفى، وعبد الله. وكان يوسف من ألمع هؤلاء، إذ أن تجارته الواسعة جعلته على صلة وثيقة بالأمراء والمقدمين والمشايخ اللبنانيين. ولما انتشر وباء الكوليرا في عهد الأمير بشير الشهابي الكبير، توجه يوسف بيهم مع عائلته إلى منطقة «عين عنوب» الجبلية، وإذ يفاجئ أهل المنطقة بقافلة كبيرة تدخل القرية، وكان دليلها يسأل عن منزل آل بيهم، فإذا بالقافلة محملة بشتى المؤن مهداة من الأمير بشير إلى أسرة بيهم النازلة في رحابه في الجبل.
وكان لهذه الحادثة وقع وأثر مهم في توطيد العلاقة بين آل بيهم العيتاني وبين الأسرة الشهابية. وكثيراً ما تبودلت الرسائل بين مصطفى بيهم العيتاني – جد المؤرخ محمد جميل بيهم – وبين الأمراء الشهابيين وسواهم من أمراء الجبل. والحقيقة فإن أسرة بيهم العيتاني قامت بدور مهم في أحداث 1860، إذ ساهمت في إخماد الفكر الطائفي، كما كان لها دور بارز في حماية المسيحيين في بيروت، وقد تولى هذا الأمر بالذات عمر أفندي بيهم العيتاني. وكان عمر بيهم العيتاني رئيس مجلس الشورى في عهد الحكم المصري 1831-1840، وكان الوجه الأول في مدينة بيروت، ورغم ذلك فقد كان مشهوراً بتواضعه. ولما سجن الشيخ سعيد جنبلاط في بيروت في أعقاب أحداث 1860 تولى مصطفى بيهم العيتاني رعايته في سجنه.
في خدمة السياسة والمجتمع والثقافة والأدب..
اشتهرت أسرة بيهم بالعمل التجاري، غير أن بعض رجالها أظهروا ميلاً للسياسة والثقافة والأدب، ففي القرن التاسع عشر ظهر منهم بالإضافة إلى حسين وابنيه عمر ومصطفى المفكر حسن بيهم العيتاني الذي شارك في تأسيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية عام 1295هـ-1878م، بالتعاون مع الشيخ عبد القادر قباني وبعض رجالات المسلمين. كما شارك حسن بيهم ومحي الدين بيهم العيتاني (1858-1925) باستقبال الإمبراطور الألماني غليوم الثاني أثناء مروره في بيروت عام 1898، باعتبارهما من أعيان بيروت، وذلك جنباً إلى جنب مع ميشال أفندي اده مدير الأمور الأجنبية، والشيخ عبد القادر قباني رئيس بلدية بيروت، وحبيب باشا السعد، والكونت فيليب دي طرازي وسواهم.
هذا وقد انصرف فريق من آل بيهم العيتاني لخدمة المجتمع، فأبلوا بلاءً حسناً في القضايا العربية والإنسانية والاجتماعية، فأحمد مختار بيهم كان من الرعيل الأول الذي اشتغل في قضايا الاستقلال. وكان حسين بيهم (والد مختار) رئيساً للجمعية العلمية السورية التي اعتبرت نواة المجتمع العلمي، كما كان شديد الصلة بالأمير عبد القادر الجزائري، وبشريف مكة عبد المطلب، الذي جرى بينهما تعاون وثيق من أجل استقلال العرب عن الدولة العثمانية. غير أنه من الأهمية أن نذكر أن بعض وجهاء آل بيهم العيتاني كانوا عثمانيو السياسة، فبعد ظهور حركة سرية في بيروت وتوزيعها المناشير المعادية للأتراك ذكر القنصل الفرنسي العام في سوريا أن عائلة بيهم العيتاني البيروتية أرسلت إلى الوالي رسالة موقعة من وجهائها تدين ما جاء في المناشير في «أفكار هدامة وتدعو لملاحقة صارمة لهذه الألاعيب المجرمة».
من أبرز رجالات آل عيتاني
برز من أسرة العيتاني العديد من رجالاتها، منهم على سبيل المثال:
1- برز في العهد العثماني من آل بيهم السيد حسين بن ناصر بن محيي الدين العيتاني وهو غير الحاج حسين بن عمر بيهم الأديب والشاعر والوجيه. كما برز أولاده من زواجه من السيدة صالحة قرنفل وهم السادة: محمد، يوسف، عمر، ناصر، مصطفى، وعبد الله والسيدة خديجة.
2- وبرز من أسرة بيهم العيتاني في العهد العثماني العديد من وجوه التجار ووجهاء المجتمع البيروتي والعثماني، منهم على سبيل المثال السادة: الحاج نجيب بيهم العيتاني. كما برز الوجيه عمر بن حسين بيهم العيتاني الأول من أعيان بيروت المشهورين بكثرة تواضعهم، ومن كبار وجهائها في القرن التاسع عشر، وكان عمدة للتجار في بيروت المحروسة، وأصبح رئيساً لمجلس الشورى في فترة الحكم المصري لبلاد الشام (1831-1840). وكان لقبه عام 1259هـ-1843م حسب سجلات المحكمة الشرعية في بيروت «عمدة التجار عمر جلبي بن الحاج حسين بيهم العيتاني». قام عمر بيهم بدور مشكور في إخماد الفتنة الطائفية التي قامت في جبل لبنان عام 1860. كما برز شقيقه الحاج عبد الله بيهم، وقد ورد في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت أيضاً معلومات عن الأخوين الشقيقين بأنهما «عمدة التجار المعتبرين الأخوين الشقيقين السيد عمر والحاج عبد الله ولدي المرحوم السيد حسين بيهم العيتاني...». ومما يلاحظ من خلال معاملات الشراء العديدة لصالح الشقيقين السيد عمر والحاج عبد الله بيهم أنهما كانا من الموسرين الأثرياء والوجهاء في آن معاً.
ومما يلاحظ بأن مفتي بيروت الشيخ عبد اللطيف فتح الله (1766-1844) قد أشار في ديوانه، الجزء الأول، ص (532) إلى السيدين يوسف وعمر ولدا المرحوم الحاج حسين بيهم العيتاني. كما جاء في الصحيفة (8-9) من السجل 1259هـ-1843م من سجلات المحكمة الشرعية في بيروت إلى «افتخار التجار المعتبرين السيد مصطفى ابن المرحوم السيد حسين بيهم العيتاني» وهو جد المؤرخ العلامة محمد جميل بيهم (1887-1978). (د. حسان حلاق: أوقاف المسلمين في بيروت في العهد العثماني، ص 152).
ونظراً لأهمية آل بيهم في الميدان الاقتصادي والتجاري، فقد أشار القنصل الفرنسي في بيروت المحروسة هنري غيز في 15 كانون الثاني 1827 في تقرير قنصلي صادر من بيروت إلى وزير خارجيته في باريس، بأن الحاج يوسف بيهم العيتاني يعتبر من التجار المعتبرين البارزين مع السادة إخوته. وبما أنه كان أحد وجهاء وتجار بيروت.
3- كما برز من الأسرة شقيقه عمر بن حسين بيهم العيتاني الذي برز في العهد العثماني، لا سيما في فترة الحكم المصري لبيروت وبلاد الشام بين أعوام (1831-1840)، فقد عيّن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا محمود نامي بك جركس متسلماً (محافظاً) على بيروت المحروسة، كما شكل مجلس شورى بيروت من اثني عشر عضواً مناصفة بين المسلمين والمسيحيين ستة من المسلمين وهم السادة:
عمر بيهم العيتاني، عبد الفتاح آغا حمادة (متسلم بيروت فيما بعد) أحمد العريس، حسن البربير، أمين رمضان، أحمد جلول. وستة من المسيحيين وهم السادة: جبرائيل حمصي، بشارة نصر الله، الياس منسى، ناصيف مطر، يوسف عيروت، وموسى بسترس.
تزوج عمر بك بيهم العيتاني من إحدى قريبات والدته، وهي السيدة خديجة قرنفل، وأنجب منها السادة والسيدات: محيي الدين، حسين، عائشة، أسماء، وسعدى. وقد برز الأنجال والكريمات في ميادين البر والإحسان والعلم والكرم والأوقاف الإسلامية، ومما يلاحظ بأن السيد محيي الدين بن عمر بيهم العيتاني قد تولى مناصب إدارية وعلمية عديدة منها عضوية «مجلس إدارة لواء بيروت» و»رئاسة شعبة المعارف» وعضوية «مجلس كبير فوق العادة» عام 1860 الذي تولى التحقيق في أحداث عام 1860 في جبل لبنان بناء على طلب القائد فؤاد باشا. كما كان محيي الدين بك بيهم مقرباً من والي بيروت نصوحي بك، وقد عهد إليه الأشراف على تجديد مقام النبي يحيى (عليه السلام) في الجامع العمري الكبير.
4- تولى السيد محيي الدين بيهم العيتاني رئاسة مجلس بلدية بيروت بين أعوام 1877-1888، ثم استقال احتجاجاً على ضرائب البلدية المفروضة على الفقراء. وقد بادر بدفع قيمة هذه الضرائب للفقراء من جيبه الخاص، ثم رفض فيما بعد تولي مناصب رسمية مفضلاً العمل الخيري والإنساني والاجتماعي إلى أن توفاه الله عام 1904. كما برز شقيقه السيد مصطفى حسين بيهم بن ناصر الذي أنجب السادة: عبد الرحمن وعبد الغني ومحمد (والد العلامة المؤرخ محمد جميل بيهم وعادل وعفيف بيهم وخير الدين).
5- وبرز من أنجال السيد حسين بن ناصر بيهم العيتاني الأول السيد عبد الله الذي أنجب السادة والسيدات: خليل، محمد، عبد القادر، عثمان، نجيب، والحاجة صفية والحاجة رقية والحاجة أمينة. وقد عمل عبد الله في ميدان التجارة كوالده وأشقائه، وازدهرت تجارته، فأنشأ عام 1850 قصراً ورد ذكره في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، وذلك في محلة باب إدريس. وهذه الدار – القصر حلّ فيها الأمير عبد القادر الجزائري ضيفاً عندما وصل إلى بيروت عام 1856، وقد اشترته الدولة الفرنسية عام 1911، ليستقر المعهد الفرنسي للآثار. وما يزال هذا القصر قائماً تجاه مبنى ستاركو قريباً من الأسواق التجارية، وقد اعتني به، وتم ترميمه.
ومما يجب ذكره، بأن البيروتيين تقاطروا من كل حدب وصوب إلى قصر عبد الله بيهم العيتاني للترحيب بالأمير عبد القادر الجزائري، كما شهد محمد بن عبد الله بيهم تقاطر الشعراء إلى القصر لتكريم الأمير عبد القادر الجزائري ومدحه، ومن بين هؤلاء العلامة الشاعر الشيخ القاضي أبو الحسن قاسم الكستي.
مصاهرة آل بيهم
وآل جزائري
وفي هذا القصر المنيف تم الاحتفال بزفاف عبد الرحيم نجل عبد القادر بيهم وحفيد عبد الله بيهم على كريمة الأمير محيي الدين الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري. وفيه أيضاً تم الاحتفال بخطبة عادلة عبد الرحيم بيهم إلى الأمير مختار الجزائري.
ومن الأهمية بمكان القول، بأن السيد عبد الله بيهم العيتاني، كان قد تولى عام 1860 رئاسة «مجلس التجارة» في بيروت المحروسة، في حارة محمود نامي بك تجاه خان السيد (السيد عبد الفتاح آغا حماده) في المرفأ. وكان مسؤولاً عن شؤون التجار في بيروت، والعمل على حل المنازعات فيما بينهم، ومتابعة مصالحهم.
لقد كان لعبد الله بيهم وللكثير من آل بيهم مواقف نبيلة من نصارى جبل لبنان لا سيما أبان الفتن الطائفية بين أعوام 1840-1860. وقد أشار الأديب خليل الخوري منوهاً بمواقف المسلمين البيارتة لحماية المسيحيين النازحين من الجبل. ومما قاله:
«وهنا نثني على جناب العلامة الشيخ محمد الحوت صاحب البر والفضل الشهير الذي لا يفتر عن الأنذار بالخير والصلاح... كما أننا لا ننكر فضل جناب العلامة الشيخ عبد الله خالد، وجناب السيد عبد الله أفندي بيهم رئيس مجلس التجارة، وجناب السيد محمد البربير مع المتميزين من وجوه الإسلام الذين مارسوا أُبَّهتهم بكل ما يوطد الألفة والمحبة بين الجميع» (حديقة الأخبار، أيار 1860 العدد 127) ومما يجب ذكره، بأن السيد عبد الله بيهم ترأس أول مجلس بلدي في بيروت المحروسة عام 1864، وقد شهدت بيروت في عهده تطوراً اجتماعياً وصحياً وبيئياً وإنشائياً ومعمارياً. استمر عاملاً طيلة حياته من أجل بيروت والبيارتة – كعادة آل بيهم العيتاني في الخدمة العامة – إلى أن توفاه الله عز وجل في شهر ذي الحجة 1303هـ-أيلول 1886م. ووفاء وتقديراً لأعماله الجليلة فقد قام أنجاله طيلة أربعين يوماً بعد وفاته بالإنفاق عن روحه الطاهرة في وجوه البر والإحسان على الفقراء والمحتاجين، فضلاً عن تلاوة القرآن الكريم في المساجد والزوايا البيروتية.
بناء مسجد «عين المريسة»
ويذكر بأن السيد عبد الله بيهم العيتاني قد أوصى قبل وفاته ببناء مسجد في منطقة عين المريسة، وبالفعل، فقد قام نجله محمد بشراء الأرض من ماله الخاص، متعاوناً مع الشيخ محمد علايا والشيخ محمد الهبري بين عامي 1886-1887، وقد احتفل عام 1887 بإفتتاح المسجد وأداء الشعائر الدينية، وتلي المولد النبوي الشريف. وبالمناسبة، فقد استقدم الشيخ سلامة حجازي مع بقية المنشدين من مصر المحروسة خصيصاً لهذه المناسبة (صحيفة بيروت، تشرين الأول 1886 العدد 63، وآذار 1887 العدد 106، وتشرين الثاني 1887 العدد 175، وعبد اللطيف ‏فاخوري: محمد عبد الله بيهم، ص 90)‏.
الأبناء على خطى الأب
6- ومن الأهمية بمكان القول، بأن أولاد الحاج عبد الله بيهم العيتاني السادات: محمد، عبد القادر، عثمان، ونجيب ساروا على درب والدهم في أعمال البر والإحسان، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وتشجيع البيارتة على طلب العلم. والجدير بذكره، أن حسن بيهم بن عبد القادر بيهم حفيد الحاج عبد الله بيهم كان أحد مؤسسي جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت عام 1878. بينما تولى نجيب ابن الحاج عبد الله بيهم المتوفى عام 1899 رئاسة غرفة تجارة بيروت عام 1887 (رئيس أوده تجارة بيروت)، وهو اجتمع مع البابا (Léon 13) الذي تولى البابوية بين أعوام 1878-1903، واعتبر الاجتماع في حينه اجتماعاً مميزاً واستثنائياً بين رأس الكنيسة الكاثوليكية وأحد أعيان ووجوه المسلمين البيارتة من آل بيهم. كما كان عثمان بيهم ابن الحاج عبد الله بيهم أحد وجوه بيروت المحروسة البارزين، وهو والد عبد الله بيهم أمين سر الدولة عام 1934-1936، و1939-1941، وعام 1943 (أول رئيس وزراء مسلم في لبنان) في أول حكومة عهد الرئيس حبيب باشا السعد، ووالد السادات: نور الدين وصلاح وزين والسيدة وداد عقيلة السيد حسن القاضي (د. حسان حلاق: تاريخ لبنان المعاصر 1913-1952، ص 150، 178).
وهكذا، يلاحظ من خلال دراسة سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، ومن خلال الوثائق والمصادر المعاصرة، بأن الحاج حسين بيهم العيتاني الأول المتوفى قبل عام 1843م – حسب سجلات المحكمة الشرعية في بيروت – كان من أبرز الوجوه البيروتية والعثمانية. كما برز في أواخر القرن التاسع عشر عزتلو محمد أفندي بن الحاج عبد الله بن الحاج حسين بيهم رئيس مجلس بلدية بيروت استناداً إلى السجل 1314-1316هـ حوالى عام 1893م، ص 33، من سجلات المحكمة الشرعية في بيروت.
7- هذا، وقد شهدت بيروت المحروسة الحاج حسين بيهم العيتاني الثاني (1833-1881) نجل عمدة التجار المعتبرين السيد عمر بن الحاج حسين بن ناصر بن محيي الدين العيتاني، وهو فضلاً من أنه كان أحد كبار التجار والوجهاء في بيروت، فقد كان أديباً وشاعراً، تعلم على الشيخين العالمين محمد الحوت وعبد الله خالد، وهو من رثى الحاج حسين بيهم العيتاني، أستاذه العلامة الشيخ محمد الحوت (1795-1860).
كما رثى الحاج حسين بيهم العيتاني أستاذه الشيخ عبد الله خالد المتوفى عام 1862 شعراً بعد أن دفن في جبانة الباشورة. كان عضواً ثم رئيساً للجمعية العلمية السورية عام 1868، وكان عضواً في مجلس إيالة صيدا الكبير، وفي محكمة استئناف التجارة، وفي المجلس البلدي، وفي مجلس إدارة بيروت كما كان عضواً في «مجلس قومسيون لم العسكر فوق العادة في بيروت». (أنظر كتابنا: بيروت المحروسة في العهد العثماني، ص 231-233، الدار الجامعية – بيروت 1987). كما كان الحاج حسين بيهم العيتاني الثاني أحد أبرز وجوه بيروت المحروسة والدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، وهو الذي اشتهر عنه بأن حمل لواء الدفاع وحماية المسيحيين في بيروت وجبل لبنان بعد فتنة الجبل عام 1860، كما والده تماماً السيد عمر بيهم العيتاني. كما تميز بأنه لم يكن يميز بين الطوائف والمذاهب.
ومن الصفحات المضيئة والخالدة في تاريخ الحاج حسين بيهم العيتاني الثاني أنه كان جريئاً وصارماً، فبالرغم من تأييده للدولة العثمانية غير أنه وقف باستمرار يتصدى للولاة وكبار الضباط الذين كانوا يحاولون جمع الشباب البيروتي ممن هم دون سن الثامنة عشر للسفر للجهادية خلافاً لما حددته الفرمانات السلطانية، وكان له ما أراد مما دعا والي بيروت خورشيد باشا لاحترامه وتقديره ونقل الضابط المخالف من بيروت إلى مدينة أخرى. كما انتخب نائباً لبيروت في مجلس المبعوثان الأول (مجلس النواب العثماني) في الآستانة عام 1877. توفي – رحمه الله – عام 1881 وسط حشد كبير من المشيعين لم تشهد بيروت المحروسة مثيلاً له. (دفن جثمانه الطاهر مع ضريح والده المرحوم عمر بن حسين بيهم العيتاني في جبانة السمطية).
ويبدو، أن آل بيهم كانوا في مقدمة الأسر البيروتية التي شجعت البيارتة على تلقي العلم، لذلك نرى أن حسين بيهم أشار في أحد اجتماعات «الجمعية العلمية السورية» إلى أهمية العلم والعلماء.
ومما يلاحظ، بأن حسين بيهم العيتاني لم يكن محباً ومشجعاً للعلم فحسب، بل كان مشجعاً للنهضة الاقتصادية والعمرانية في بيروت المحروسة، فعند بناء وإقامة آل حماده «سوق السيد» عام 1864 في باطن بيروت المحروسة (نسبة لوالدهم السيد عبد الفتاح آغا حماده متسلم مدينة بيروت)، والذي عرف فيما بعد باسم «سوق أياس» بسبب شراء آل إياس لهذا السوق، فقد نظم الحاج حسين بيهم شعراً بالمناسبة حفر على مدخل السوق.
(يتبع)

قصر عبد الله بيهم رئيس مجلس التجارة في بيروت المحروسة ورئيس مجلس بلدية بيروت عام 1864 والمتوفي عام 1886.. هو إبن الحاج حسين بيهم الأول .. والقصر بُني عام 1850 في منطقة باب إدريس (حاووز الساعاتية) تجاه مبنى «ستاركو» ونزل به ضيفاً الأمير عبد القادر الجزائري عام 1856، كما شهد اجتماعات ومناسبات غاية في الأهمية في العهود العثمانية والفرنسية والاستقلالية (تصوير الباحث د. حسان حلاق عام 2012) الحاج حسين بيهم العيتاني
قصر محمد أفندي بيهم في منطقة قريطم - رأس بيروت أصبح في ما بعد ملكاً لعمر بك الداعوق ولا يزال لأحفاده (تصوير الباحث د. حسان حلاق عام 1985) محمد بك بن عبد الله بك بيهم العيتاني (1847-1915) (صورة أصلية من مجموعة المؤلف بعد أن رمّمها)
شعار محمد أفندي بيهم العيتاني الذي وزّع في بيروت المحروسة في العهد العثماني