33 عاماً على عملية أربكت الاحتلال بعد اعتقال الشباب الصيداوي الفتى نزيه قبرصلي يُخلّد اليوم بشارع في صيدا

هيثم زعيتر

بين 6 حزيران 1982 و16 شباط 1985: 985 يوماً من الاحتلال الإسرائيلي لمدينة صيدا، كانت كلّها أيام مقاومة بشتى الوسائل، عسكرياً وسياسياً وشعبياً، أجبرت أعتى قوّة في منطقة الشرق الأوسط – آنذاك – على الاندحار عن عاصمة الجنوب والمقاومة..
وقد ارتكب الاحتلال المجازر ضد اللبنانيين والفلسطينيين، واعتقل المئات من المناضلين، وزجّهم في «معتقل أنصار» ونقل بعضاً منهم إلى «معتقل عتليت» داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة..

خلال فترة الاحتلال انطلقت المقاومة المسلّحة بشكل عفوي، قبل أنْ تصبح منظّمة في أُطُرٍ ضيّقة، تعدّدت فيها التسميات، لكن كانت النتيجة مقاومة بمشاركة لبنانيين وفلسطينيين على اختلاف طوائفهم من مسلمين ومسيحيين.
هذه المقاومة الذي أربكت المحتل، أحدثت تحوّلاً جذرياً، حين نفّذت مجموعة من «قوّات الفجر» الجناح العسكري لـ«الجماعة الإسلامية» عملية بطولية (27 كانون الأول 1983) في المنطقة الممتدة من البستان الكبير وحتى القياعة في الجهة الشمالية الشرقية للمدينة، استشهد فيها كل من: جمال حبال، محمد علي الشريف ومحمود زهرة، وصُرِعَ فيها ضابط و3 جنود إسرائيليين.
إثر هذه العملية اقتحمت قوّات الاحتلال منزل «إمام مسجد بطاح» داخل صيدا القديمة الشيخ محرم العارفي، واقتادته بعدما قيّدت يديه وعصبت عينيه، حيث تبيّن بعد 4 أشهر أنّه نُقِلَ إلى «سجن كيشن» في فلسطين المحتلة، قبل نقله إلى «معتقل أنصار».
شمولية المقاومة
حاول الاحتلال من خلال حملة اعتقالاته وقمعه الواسعة، التي طالت 150 شاباً من أبناء المدينة، زُجَّ بهم في «معتقل أنصار»، الضغط من أجل قطع جذوة المقاومة، لكن الرد عليها كان تمسّكاً بمواصلة العمل الجهادي العسكري، وإعلان المقاومة المدنية.
وهنا يُسجّل لفاعليات وقيادات المدينة دورهم الهام، وفي المقدّمة مفتي صيدا والجنوب الشيخ محمد سليم جلال الدين، الذي نعى شهداء صيدا الثلاثة مع إعلان الإضراب العام، والاعتصام في «جامع الزعتري» في المدينة طيلة يوم الخميس (29 كانون الأول 1983)، شجباً واستنكاراً لما يقوم به الاحتلال من اعتقال وممارسات تعسّفية، مطالبين بالإفراج عن المعتقلين، ومنهم الشيخ العارفي، معاهدين الله سبحانه وتعالى، المضي في المقاومة والصمود حتى النصر.
شكّلت هذه المحطة صدمةً للاحتلال، الذي اقتحم منزل المفتي جلال الدين عند الواحدة من بعد منتصف ليل الخميس – الجمعة، مُطلِقاً الرصاص على المبنى، قبل اقتحامه وتفتيشه، غير مراعٍ لحرمة المنزل وأهله.
وأقدمت دورية من جنود الاحتلال على اعتقال نجل المفتي، ساطع، الذي كان قد حضر من أوكلاهوما.
وفي موقف يُسجّل للمفتي المقاوم، رَفَضَ استقبال الحاكم العسكري الإسرائيلي في منزله – على الرغم من أنّ الهدف من الزيارة كان الاعتذار عن الحادث – لكن كان إصرار من المفتي وقيادات المدينة، بأنّ الاعتذار عن الحادث، يكون بالإفراج عن جميع المعتقلين وفتح المعابر.
ومع اعتقال الشيخ العارفي، أقفل الاحتلال «مسجد بطاح»، لأنه كان في نظره «معتقلاً للتحريض»، بينما كان منطلقاً لعدد كبير من الثائرين والمقاومين.
الفتى المقاوم
بين المقاومين، كان أحد رواد المسجد، الفتى نزيه هاشم قبرصلي، الذي حُرِمَ من أداء الصلاة خلف إمامه، حيث كانت لخطاباته – خاصة يوم الجمعة – وقع الصدى، بمهاجمة الاحتلال الذي كان يطوّق المسجد، وكان لكلماته أبلغ تأثير بحث الشباب على مقاومة الاحتلال ومواجهته، غير آبه بمضايقاته واعتقالاته.
وفكّر الفتى بالانتقام للشيخ العارفي والشباب الصيداوي المعتقل، وتضييق الاحتلال على المدينة، خاصة بإغلاق معبر جسر الأوّلي، للجهة الشمالية منها، بهدف إجبار المواطنين على اعتماد معبر باتر – جزين.
وبتاريخ 18 كانون الثاني 1984، نفّذ الفتى نزيه قبرصلي عمليته البطولية ضد دورية عسكرية إسرائيلية كانت تمر في إحدى مناطق صيدا القديمة مقابل البحر، ممطراً إياها بنيران رشاش – نجح بالحصول عليه – ما أدّى إلى مقتل أحد جنود الاحتلال وجرح 3 آخرين، قبل أنْ يستشهد قبرصلي.
شكّلت هذه العملية مفاجأة بإقدام فتى يبلغ من العمر 14 عاماً على تنفيذ عملية بطولية، حملت جملة من الرسائل والمغازي في وقتها المفصلي، حيث أتت:
– بعدما اعتقد الاحتلال أنّه باعتقال الشباب والرجال، والضغط على المدينة، قد قضى على أي إمكانية للمقاومة، ويمكنه تمرير مشاريعه التطبيعية، التي ساعده بها بعض العملاء وضعفاء النفوس.
– إن المقاومة لا تقتصر على سن معينة، بل يمكن أنْ يحقّق الفتية المناضلين ما يعجز عنه رجال مستسلمون.
– إنّ الكلمة قد تأثّر وتغيّر من مسار حياة فتى يافع، وهو ما جرى مع الشهيد نزيه قبرصلي، الذي سأل ذات يوم الشيخ العارفي: «إذا خرجت من المسجد وقتلت اليهود، هل أموت شهيداً؟»، فأجابه الشيخ الداعية: «إفعلها وستكون شهيداً، بإذن الله».
هكذا نفّذ الشهيد قبرصلي عمليته، انتقاماً من الاحتلال لاعتقال شيخه والشباب الصيداوي، فأصبح نموذجاً ومثالاً يحتذى به.
وها هي المناضلة سهى بشارة، تعلن عن أنّ استشهاد نزيه قبرصلي كان دافعاً رئيسياً لها في تنفيذ عملية قتل قائد الميليشيا العميلة مع الاحتلال الإسرائيلي اللواء أنطوان لحد، حيث أطلقت الرصاص باتجاهه أثناء تواجدها في منزله (17 تشرين الأول 1988)، فنجا، بعدما أُصيب في صدره وذراعه.
تسمية شارع
ولمناسبة الذكرى السنوية الثانية والثلاثين لتحرير صيدا، والثالثة والثلاثين لاستشهاد نزيه قبرصلي تحتفل بلدية صيدا و«رابطة آل قبرصلي» بتسمية «شارع الشهيد نزيه هاشم قبرصلي»، الممتد من تقاطع «دوحة المقاصد» – صيدا، صعوداً حتى «ساحة رجال الأربعين»، الواحدة من ظهر اليوم (الجمعة) في «دوحة المقاصد» – صيدا.

تعليقات الفيسبوك