لماذا نحن خائفون على الحريرية السياسية؟

الأستاذ صلاح سلام

تحل ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وسط هواجس تهيمن على جمهوره، هي مزيج من مشاعر القلق على الحاضر، وحالة من الترقب والخوف على المستقبل قياساً على التحديات المحيطة بالحريرية السياسية من كل صوب وحجم القدرة على مواجهتها والتصدي لها، والحفاظ على تماسك مسيرة التجربة التي شكلت مشروعاً وطنياً كبيراً، لإعادة الاعمار والنهوض بالبلد.

هذه الهواجس لا تقتصر على منطقة معينة، بقدر ما هي أشبه بموجة شعبية تتنقل بين مختلف المناطق المعروفة بتمسكها بالحريرية: من بيروت وصيدا والاقليم، إلى طرابلس والضنية والمنية وعكار وبقية القواعد شمالاً، إلى البقاع شرقاً، ومنطقة شبعا جنوباً.

كما ان مشاعر الترقب والخوف ليست وقفاً على فئة اجتماعية محددة، بقدر ما يتردد صداها في صفوف القواعد الشعبية، كما في أوساط الكوادر المهنية العليا، من أطباء ومحامين ومهندسين.. إلخ، فضلاً عن مختلف القطاعات الاقتصادية والانتاجية، التي كانت الحريرية بمثابة رافعة لبلوغها ما وصلت إليه من انتشار وتطوير وتحديث، في سنوات مشروع النهوض الذي قاده الرئيس الشهيد، على مدى عقد ونيف من الزمن.

* * *

ثمة العديد من الأسباب والعوامل التي اوصلت جمهور الحريرية الكبير، إلى هذه الحالة من عدم الثقة والحذر، مما تحمله المرحلة المقبلة، خاصة وأن الانتخابات النيابية على الأبواب، وستشكل محكاً صعباً، للحريرية السياسية، أين منها الجراح والندوب التي خلفتها الانتخابات البلدية، في صيف العام الماضي.

لسنا في معرض تشريح التجربة الحريرية طوال الاثنتي عشرة سنة الماضية والخوض في الممارسات المتفاوتة بين الخطأ والصواب، بقدر ما يهمنا التفكير بصوت عالٍ، حول الإشكالات التي تزرع القلق في صفوف القاعدة الحريرية، والتي يمكن تلخيص أهمها على النحو التالي:

اولا: حصار الخصوم والحلفاء:

لم تكد تمر عدّة أشهر على الانتصار الكبير الذي حققته الحريرية وقوى 14 آذار في انتخابات 2009، وفوزها بالاكثرية النيابية، حتى بدأت ملامح حصار سياسي ومالي تلوح في الأفق، بلغت ذروتها في انقلاب قوى 8 آذار على اتفاق الدوحة، وإعلان استقالة وزرائهم من الحكومة الحريرية، بينما كان رئيسها يهم بدخول البيت الأبيض ولقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما.

ثم توالت الضربات على المسيرة الحريرية، من خلال حصار سياسي من الخصوم، وحصار مالي من الحلفاء، بدا خلاله سعد الحريري وكأنه يمضي فترة عقوبة لا مُـدّة زمنية محددة لها، الأمر الذي كانت له تداعيات سلبية على المساعدات الاجتماعية والمدرسية، والخدمات الطبية، التي كان يوفرها لآلاف العائلات المحتاجة من جمهوره الواسع.

أدى الوضع المالي المتأزم إلى تسريح آلاف الموظفين والعمال، وتأخير رواتب مئات آخرين، فضلاً عن اقفال مكاتب الخدمات في مختلف المناطق، وتبخر الوعود الانتخابية بإقامة عدد من المشاريع الإنمائية في عكار والبقاع.

وشكل العنصر الأمني أداة ضغط إضافية، بعد كشف خطة تستهدف الرئيس سعد الحريري في محيط منزله، فكان قرار الخروج من البلد، بناء لنصائح عربية ودولية، بمثابة انتكاسة أخرى للمسيرة الحريرية.

ثانيا: مرحلة الغياب والضياع:

لم تفلح المحاولات التي بذلت على أكثر من صعيد محلي وخارجي، في تقصير مُـدّة الغياب الأمني القسري للرئيس سعد الحريري عن البلد. وما كان متوقعاً ان ينتهي خلال أسابيع أو بضعة أشهر طال امده إلى سنوات واحدث فراغاً في سدة القيادة، وضياعاً في أوساط القاعدة الشعبية، التي افتقدت المرجعية السياسية، واشتدت الحروب النفسية والإعلامية عليها، بسبب الغموض الذي أحاط بتوجهات التيار الأزرق بعد غياب القائد، من جهة، فضلاً عن انتشار البطالة بين الشباب المسرحين من المهمات والأعمال من جهة ثانية، مما أتاح للخصوم فرص الاختراق والتغلغل في صفوف القواعد الشعبية تحت ضغط الترهيب تارة، أو اغراءات الترغيب طوراً.

أدى غياب الحريري أيضاً إلى اهتزاز العلاقات بين أطراف قوى 14 آذار، وتضعضع الاجتماعات والمشاورات بين قياداتها، مما سهل تفكك هذه الجبهة الوطنية عند أوّل صدمة تلقتها في الانتخابات الرئاسية، وما سبقها من توجه القوات اللبنانية إلى طوي صفحة الخلافات التاريخية مع التيار الوطني الحر، وصولاً إلى التوقيع على اتفاق بينهما، ضم مجموعة من التفاهمات.

توقف الاجتماعات الدورية لقيادات 14 آذار، واقتصار المشاورات على اتصالات ثنائية عابرة، أو على لقاءات خاطفة، وتعدد الخيارات عشية الاستحقاق الرئاسي، ثم وصولها إلى مرحلة التضارب والتناقض، كلها عوامل أسفرت عن غياب جبهة 14 آذار عن المعادلة السياسية، وفتحت الأبواب امام الخيارات الصادمة لأطرافها الرئيسيين، مما أضعف موقف الحريرية السياسية.

ثالثاً: الخيارات المفاجئة والصادمة:

ترافقت مرحلة الغياب والضياع مع اشتداد وطأة الشغور الرئاسي واندلاع سلسلة من الأزمات المعيشية والاجتماعية وفي مقدمتها أزمة النفايات، واتساع حلقات التعطيل لمؤسسات الدولة لتشمل مجلس النواب، بحجة عدم شرعية التشريع في ظل الفراغ الرئاسي، ولاحقاً مجلس الوزراء بعد تكرار غياب وزراء التيار الوطني الحر وحلفائهم عن الجلسات الوزارية وأصبح النظام والدولة والطائف في دائرة الخطر الداهم.

على خلفية هذا التقييم، بادر الرئيس سعد الحريري إلى ترشيح النائب سليمان فرنجية للرئاسة بعد مشاورات عربية وأوروبية مشجعة، بهدف كسر الجمود في الاستحقاق الرئاسي، وإنقاذ البلد وناسه واقتصاده، عبر تسوية سياسية مقبولة.

الخطوة فاجأت جمهور الحريري، وصدمت حلفاءه، خاصة رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الذي سرّع الخطى نحو تفاهم كامل مع خصمه اللدود العماد ميشال عون، وصولاً إلى تبني ترشيحه لرئاسة الجمهورية كردة فعل صاعقة لخيار الحريري بترشيح فرنجية.

اما القاعدة الشعبية الحريرية فبقيت ردود فعلها تراوح بين التفهم والتململ، وظهور تيارات معارضة متفرقة، سارع اللواء اشرف ريفي إلى التعبير عن رفضها، معلناً أوّل انشقاق عن الزعامة الحريرية، رغم حرصه على تأكيد التزامه بمبادئ واهداف الحريرية السياسية، كما عرفها في مرحلة الرئيس الشهيد.

تجلّت حالة التململ في أوساط القواعد الحريرية في الانتخابات البلدية، حيث تضافرت عدّة عوامل، لا مجال للخوض في تفاصيلها الآن، في إظهار حالة التراجع والضمور التي أصابت جمهور الحريري، وانعكست في خسارة بلدية طرابلس لصالح اللائحة المدعومة من ريفي، وربح الرئيس نجيب ميقاتي عدداً لا يستهان به من بلديات الضنية، إلى جانب حصول تغييرات في مجالس بلدية عدّة في عكار والبقاع.

رابعا: ترشيح عون

القواعد الشعبية الحريرية فوجئت بترشيح زعيمها للنائب سليمان فرنجية، لأنها لم تكن تتوقعه، ولم يحصل ان طرح مثل هذا الخيار في اجتماعات تيّار المستقبل..،

ولكن هذه القواعد نفسها صُدمت بتبني الحريري لترشيح العماد ميشال عون، لأن مثل هذا الخيار كان مستبعداً، في كل الاحتمالات، على خلفية الخلاف الطويل والحاد بين التيارين الأزرق والبرتقالي، وتسببت الحملات المتواصلة للعماد عون ضد الرئيس الشهيد، وضد الحريرية، واتهامها بشتى ألوان الاستغلال والفساد، تسببت بحصول هوّة كبيرة بين جمهور الحريري والعماد عون وتياره السياسي.

مرّة أخرى، وجد جمهور الحريري نفسه معزولاً عن قرارات القيادة، التي حاولت استدراك هذا الواقع عبر الخطاب الشهير الذي أعلن فيه الحريري تبني ترشيح عون، واصفاً هذا الخيار بأنه «مغامرة سياسية» يتوقف على نتائجها مستقبله السياسي.

ولكن مشكلة التواصل بين الكوادر الوسطى في تيّار المستقبل والجمهور الواسع بقيت قائمة، وبالتالي لم تساهم في تخفيف تداعيات الصدمة التي باغتت القواعد الشعبية للحريري في مختلف المناطق.

خامساً: تأليف الحكومة:

كثرت أقاويل الخصوم بأن سعد الحريري أقدم على تأييد العماد عون للرئاسة سعياً للعودة إلى السراي الكبير، رئيساً لأولى حكومات العهد الجديد، وتوظيف وجوده في السلطة لإعادة ترميم قواعده الشعبية.. كذا!

في حين كان من الطبيعي ان يكون رئيس تيّار المستقبل رئيساً للحكومة بنتيجة التسوية التي اوصلت العماد عون إلى قصر بعبدا، والتي ما كانت لتحصل لولا مبادرة الحريري التي اقدم عليها، رغم ادراكه المسبق بمعارضة القاعدة الشعبية العريضة لهذا الخيار، أو على الأقل عدم تقبلها بسهولة وبسرعة.

الرئيس الحريري ردّ على المعترضين بأنه مشى على خطى والده الشهيد الذي ما كان يتأخر عن أية تسوية كانت تنقذ البلد من الأزمات التي كان يتخبّط فيها، والذين عايشوا تلك المرحلة يعرفون كم كانت التسويات شاقة وصعبة، ولكنه كان رحمه الله يٍُقدم عليها بشجاعة في سبيل إنقاذ الوطن، وكان آخرها قضية التمديد للرئيس اميل لحود.

ولكن ما كادت مشاعر الاعتراض تهدأ، على أمل التعويض بالمشاركة في الحكم والعودة إلى السلطة حتى فوجئ جمهور الحريري بأن تشكيلة الحكومة، وحصة رئيسها لم تكن بحجم الخطوة الكبيرة التي اتخذها الحريري وانهت الشغور الرئاسي بعد سنتين ونصف من المراوحة، وحققت حلم الجنرال بالعودة إلى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، تمّ تعيين نائب عكار معين المرعبي وزيراً بلا حقيبة، في حين تولت شخصية عكارية أخرى من حصة رئيس الجمهورية هو المهندس يعقوب الصرّاف وزارة الدفاع، وتمثل إقليم الخروب لأول مرّة في الحكومات الحريرية بطارق الخطيب وزيراً للبيئة من طرف رئيس الجمهورية.

وحرص الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري على نسج أفضل علاقات التعاون بينهما، لم يُخفّف من المضايقات والضغوط التي يتعرّض لها رئيس تيّار المستقبل في نقاشات قانون الانتخاب العتيد، وتصويره وكأنه ضد النسبية، وضد الكوتا النسائية، وضد كل ما له علاقة بتحديث وإصلاح النظام السياسي!

ولا نُبالغ إذا قلنا ان الحكومة قد تتحوّل إلى عبء إضافي على الحريري، عوض ان تكون سنداً له في هذه المرحلة الدقيقة، وذلك في حال استمرت الأطراف الأخرى، وخاصة فريق رئيس الجمهورية والقوات اللبنانية، في تجاهل أهمية ان يكون التعاون مع الحريري يصب في الاتجاهين، ولا يقتصر على فريق الرابية – معراب وحده، لا سيما وأن الانتخابات النيابية على الأبواب.. ولو تأخرت إلى تشرين، والحرص على تجنّب الاحراجات على شاكلة كلام الرئيس عون التبريري لتغطية سلاح حزب الله.

* * *

وإذا اضفنا إلى كل ما سبق، واقع البطء والتردد الذي يراوح فيه تيّار المستقبل، في عقد التحالفات الانتخابية، وغربلة سلّة المرشحين في الدوائر المختلفة، فيما منافسوه ومعارضوه اعلنوا الاستنفار الكامل، وبدأوا بالنزول إلى الأرض، والتفاعل مع الناخبين، وقضاياهم اليومية، يُدرك أهل الحل والربط، والشركاء في الوطن، لماذا نحن خائفون على الحريرية السياسية، وكل ما تمثله من اعتدال وانفتاح، وبكل ما تتمسك به من مبادئ الشراكة والعيش الواحد التي جعلت من لبنان «وطن الرسالة»، وليس مجرّد دولة طوائف!

ويبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل القيادة الحريرية مع الأطراف الأخرى في الاستحقاق الانتخابي..؟ وهل ستستوعب التعايش مع عودة التعددية إلى الساحة السنية؟

تعليقات الفيسبوك